السيد صادق الموسوي
12
تمام نهج البلاغة
لأن هدف أولئك كان جمع كافة الروايات من مختلف المصادر وتدوينها كما وردت : فيما السيد الموسوي جعل دينه التفتيش عن الكتب التي اختار السيد الرضي رضوان الله عليه منها مقتطفاته ، ثم العمل لإعادة المختار إلى موضعه قبل اقتطافه ، مع المحافظة على ما يميز ذلك المختار عما أضيف إليه من تلك المصادر . وقام السيد المحقق كذلك بجهد كبير حتى وجد في بحر تلك المصادر المختلفة الروايات المتعددة ، فقام بالمقارنة بينها بكل دقة ، والعثور على المكرر منها باختلاف الراوي أو الرواية . ثم ضمّ المكرر من الرواية إلى أختها ، ورتّب المقدّم والمؤخّر من جملها وفقراتها استنادا إلى مجموع أدلة وقرائن من المصادر والروايات نفسها ، ومع كشف اختلاف بين المصادر في كلمة أو جملة تمّ ضبطها في هامش الكتاب حفظا لحق الراوي وإفساحا للمجال أمام القراء والباحثين ليدرسوا هذا وذاك . وكذلك جهد المحقق كثيرا للوصول إلى كامل الخطب والكلمات والكتب ، حيث كان أغلب الرواة يقتطعون الرواية فيأخذون منها موضع حاجتهم ، ويضمّون فقرات من خطبة إلى أخرى حسب موضوعاتهم ، ومع مرور الزمن صار النص المركب في نظر الكثيرين واحدا ، وجهد كثير من المحققين لإيجاد اتصال بين فقراته وشرح المعنى بناء عليه . وبعد عناء شديد أمكن الوصول إلى القسم الأكبر من الخطب الكاملة والكلام غير المقتطع والكتب بتمامها . فيمكن القول بعد هذا أن « تمام نهج البلاغة » قد فتح بابا جديدا أمام العلماء وأصحاب الفضيلة في عصرنا الحاضر ليقوموا بدراسات جديدة وبحوث معمقة لكلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عموما ، ولكتاب « نهج البلاغة » خصوصا . وإنني من خلال تحقيقي في هذا السفر الجليل والتوثيق له أدركت أكثر من ذي قبل عظمة كتاب « تمام نهج البلاغة » ، ولمست مدى المشقة والعناء الذّين واجههما المحقق الجليل السيد صادق الموسوي ، واكتشفت أكثر من السابق مقدرة المؤلف العلمية ، وهو الذي أعرفه منذ عقدين ونيف لما كنت طالبا في المرحلة الثانوية من دراستي العصرية ، وذلك أثناء حلقات التدريس الديني التي كان يديرها ، والعمل الاجتماعي الإسلامي الذي كان يقوم به ، والذي اتخذ في بعض جوانبه شكلا سياسيا جهاديا لما أحسّ بوجوب فضح المؤامرات الخطيرة التي تحاك ضد الوجود الإسلامي المتنامي في وطني : حيث حضّ ولا يزال المسلمين على التحرر من السلطة الكافرة تطبيقا لقوله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا . هذا إضافة إلى دوره المهم والأساسي في الثورة الإسلامية المباركة في إيران . حيث كاد أن يكون الناشط الوحيد للترويج لنهج الإمام الخميني رضوان الله عليه في الساحة اللبنانية . وقد حجب هذا الجانب من عمله الجهادي ونشاطه السياسي الملتزم عند الكثرين شخصيته العلمية الواعية الهادية إلى سبيل الحق ، والتي أظهرت خلال السنوات الطويلة من العمل ثباتها في الموقف ، فكان ممن وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز بقوله : يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ . فكفاك أيها السيد الجليل هذا العمل الجليل . كفاك أن نتاجك العلمي الكبير هذا سيجعلك من الخالدين حيث ارتبط اسمك ب « نهج البلاغة » . وصرت من صميم خط الولاية لأهل بيت